في واحدة من أكثر التطورات إثارة في تكنولوجيا الأرشفة منذ عقود، كشف قطاع الأبحاث في شركة مايكروسوفت عن طريقة رائدة تحول زجاج البوروسيليكات العادي — وهو المادة المتينة والمقاومة للحرارة الموجودة في أواني الطهي من ماركة "بايركس" والأدوات الزجاجية المختبرية — إلى وسيط تخزين عالي السعة قادر على حفظ البيانات الرقمية لمدة لا تقل عن 10,000 عام دون تدهور.
نُشرت الورقة البحثية المحكمة في 18 فبراير في مجلة "نيتشر" (Nature) المرموقة، وتفصل آخر إنجاز في مشروع سيليكا (Project Silica)، وهي مبادرة مايكروسوفت الطموحة لتطوير حل تخزين أرشيفي مستدام يعتمد على السحابة، باستخدام ليزر "الفيمتو ثانية" لنقش البيانات بشكل دائم داخل الزجاج.
الأزمة المتزايدة للحفظ الرقمي
تولد البشرية البيانات بمعدل غير مسبوق، حيث يُتوقع أن تتضاعف أحجام البيانات العالمية كل عامين، بينما تستهلك مراكز البيانات الضخمة بالفعل كميات هائلة من الكهرباء لمجرد الحفاظ على المعلومات حية. حلول التخزين التقليدية — مثل محركات الأقراص الصلبة، ومحركات الأقراص ذات الحالة الثابتة، والأشرطة المغناطيسية — تدوم عادةً ما بين 5 إلى 30 عاماً فقط قبل أن تبدأ في التعطل، مما يفرض دورات هجرة بيانات مستمرة ومستهلكة للطاقة تؤدي إلى نفايات إلكترونية هائلة وانبعاثات كربونية ضخمة.
تُقدر مايكروسوفت أن التكلفة والأثر البيئي لتحديث البيانات الأرشيفية بشكل متكرر قد يصبح غير مستدام مع تراكم الإكسابايت (مليار مليار بايت) من السجلات العلمية، والتراث الثقافي، والمستندات الحكومية، والذكريات الشخصية. وهنا يأتي دور الوسيط الخامل الذي لا يحتاج للكهرباء ولا يتطلب صيانة بمجرد الكتابة عليه: الزجاج.
مشروع سيليكا: من المفهوم إلى الإنجاز
انطلق مشروع سيليكا منذ عقد تقريباً بهدف إنشاء أول تكنولوجيا تخزين في العالم مصممة خصيصاً للسحابة. اعتمدت النماذج الأولية على السيليكا المنصهرة باهظة الثمن (زجاج الكوارتز)، محققة كثافات مذهلة ولكنها واجهت عوائق في التكلفة وتوفر المواد.
أزال الإنجاز الجديد تلك العقبات عبر ترميز البيانات بنجاح في زجاج البوروسيليكات العادي. يمكن الآن للوح مربع واحد يبلغ طول ضلعه 120 مليمترًا وبسمك 2 مليمتر فقط — وهو بحجم قاعدة الأكواب تقريبًا — أن يستوعب 4.8 تيرابايت من البيانات عبر 301 طبقة مكتظة بكثافة. يعادل ذلك حوالي 1.59 جيجابايت لكل مليمتر مكعب، وهو ما يكفي لتخزين ما يعادل مليوني كتاب مطبوع أو ما يقرب من 200 فيلم بدقة أربعة آلاف بكسل عالية الوضوح.
كيف تعمل التكنولوجيا: ليزر دقيق وفك ترميز ذكي
في قلب النظام يوجد ليزر الفيمتو ثانية — الذي يطلق نبضات مدتها جزء من كوادريليون من الثانية — ليخلق "فوكسلات" ثلاثية الأبعاد مجهرية (بكسلات حجمية) في عمق الزجاج عبر تغيير خصائصه البصرية بشكل دائم. يمكن كتابة هذه الفوكسلات بنبضة ليزر واحدة، مما يبسط العملية بشكل كبير مقارنة بتقنيات النبضات المتعددة السابقة.
تصل سرعات الكتابة إلى 25.6 ميجابت في الثانية لكل شعاع، مع استعراض الباحثين للكتابة المتوازية باستخدام حزم متعددة لتحقيق ما يصل إلى 65.9 ميجابت في الثانية دون ضرر حراري. كفاءة الطاقة مبهرة حيث تبلغ 10.1 نانوجول لكل بت. أما بالنسبة للقراءة، فيقوم مجهر آلي مزود بكاميرا عالية الدقة بالتقاط صور طبقية، ثم تقوم خوارزميات التعلم الآلي المتطورة بفك تشفير الأنماط واستعادة البيانات بدقة مثالية.
متانة استثنائية تتحدى الزمن
يتميز زجاج البوروسيليكات بمرونة فائقة؛ فهو يقاوم الماء، والحرارة الشديدة، والغبار، والنبضات الكهرومغناطيسية، والمجالات المغناطيسية التي قد تدمر المحركات التقليدية فوراً. ولإثبات طول العمر، طور الفريق اختبارات تقادم متسارعة عبر تسخين العينات إلى 290 درجة مئوية (554 درجة فهرنهايت) لفترات طويلة، مما يشير بثقة إلى استقرار البيانات لأكثر من 10,000 عام في درجة حرارة الغرفة. بمجرد الكتابة، تصبح البيانات غير قابلة للتغيير — وهو تنسيق حقيقي يعتمد على الكتابة لمرة واحدة والقراءة المتعددة، وهو مثالي للأرشيفات طويلة المدى.
نجاح في تجارب بارزة
انتقل مشروع سيليكا بالفعل من المختبر إلى الواقع عبر عروض تاريخية تشمل:
ترميز فيلم "سوبرمان" لعام 1978 من إنتاج شركة وارنر براذرز بالكامل على لوح زجاجي.
التعاون مع مستودع الموسيقى العالمي لأرشفة التراث الموسيقي الذي لا يعوض تحت الجليد في سفالبارد، النرويج.
مبادرات "السجل الذهبي 2.0" التي يقودها الطلاب للحفاظ على التنوع الثقافي البشري.
تتخيل مايكروسوفت أساطيل من هذه الألواح الزجاجية محفوظة في مكتبات روبوتية داخل مراكز بيانات أزور (Azure)، حيث لن تتطلب الرفوف الخاملة أي كهرباء للتخزين، مما يقلل التكاليف التشغيلية والأثر البيئي بشكل كبير.
المزايا المستدامة والتكلفة
أكد ريتشارد بلاك، مدير أبحاث شركاء مايكروسوفت، على أهمية هذا التطور قائلاً:
"هذا التقدم يعالج العوائق الرئيسية أمام التسويق التجاري: التكلفة وتوفر وسائط التخزين. لقد فتحنا الآفاق العلمية للكتابة المتوازية عالية السرعة وطورنا تقنية تسمح باختبارات التقادم المتسارع... مما يشير إلى أن البيانات يجب أن تظل سليمة لمدة 10,000 عام على الأقل."
التحديات القادمة والطريق إلى التسويق
التكنولوجيا لا تخلو من العقبات؛ فكتابة لوح كامل بسعة 4.8 تيرابايت لا تزال تستغرق وقتًا طويلاً يتراوح بين ساعات وأيام، مما يجعلها غير مناسبة للتخزين "الساخن" الذي يتم الوصول إليه بشكل متكرر. إنها مخصصة للأرشفة فقط.
ومع ذلك، فإن النشر في مجلة "نيتشر" يمثل اكتمال التحديات العلمية الأساسية. ورغم عدم إعلان مايكروسوفت عن جدول زمني تجاري محدد، يشير المطلعون إلى أن عروض الأرشفة العملية عبر أزور قد تظهر خلال السنوات القليلة القادمة مع توسع التصنيع.
![]() | ![]() | ![]() |
![]() | ![]() | ![]() |





